شاهد | “مشاقر توكل كرمان” .. بين الأخلاق والنفعية.. ! |

“مشاقر توكل كرمان” .. بين الأخلاق والنفعية.. !

 

ماجد زايد *

في منتصف مارس الفائت، قدمت السيدة توكل كرمان مساعدة مالية قدرها الفيّ دولار للفنان الشعبي اليمني عبدالباسط عبسي، قدمتها له بدافع إنساني خالص، هذه حقيقة، كان عبسي يومها يحتاج لأيّ مساعدة مالية تُعيله على صروف العمر والدهر والمتغيرات، صروف الحياة والإنقطاع والأبناء والكثير من الأمور البسيطة في الحياة، يومها وافق على قبول المكرمة المالية بشرط عدم الإفشاء، وهو ما وافقت عليه كرمان بشكل مباشر، وهكذا إنتهى الموضوع وتمت العملية الإنسانية بنجاح، ليشكرها عبسي ويعبر لها عن خالص مودته وإحترامه لها، وفي نفسه لأيام طويلة ظل يردد ويحدث قلبه وعقله عن عظمة هذه السيدة العظيمة، كرمان التي تفعل الخير ولا تطلب الشكر والإمتنان، إنها بحق خير ثائرة ومناضلة وصادقة مرت في ثنايا حياتي الطويلة، لتمر الأسابيع وتتلاحق الأيام، وعلى غير التوقعات سائت حالة الفنان عبدالباسط عبسي، تدهورت صحته الى ذروتها حتى منتصف رمضان، ليعلم صديقه ورفيقه عضو مجلس النواب القاضي أحمد سيف حاشد بحالته ومتغيراتها، وحاجته الطارئة للعلاج، ليقوم بدافعه الأخلاقي والإنساني بإعلان حملة في مواقع التواصل الإجتماعي لدعم الفنان والوقوف الى جانبه، حملة تصدرها بذاته والتحق به الكثير من الفاعلين والمتحدثين.

وعلى إثرها تزايد التفاعل، وأرتفع الصوت، وتضامن الناشطون والفاعلون والمتحدثون، وتحولت القضية الى رأي عام حساس ومهيء وينتطر أحد المنقذين الواصلين بأشكالهم البيضاء الملائكية ليأخذون الفنان وينقذونه مما يعانيه، وبالفعل تعاظم التعاطف الشعبي العام مع دعوات التضامن والتكفل بالعلاج، ليعلن في مساء أحد ألأيام الرمضانية من يتكفل بالعلاج، يومها أعلن طارق صالح عبر مكتبه الرسمي بأنه تواصل بالفنان عبدالباسط عبسي ليطمئن على صحته وحالته المتدهورة، ومعها تكفل بمنحة علاجية على نفقته الخاصة، وبالفعل وافق عبسي على المنحة الطارئة مع بعض التخوف من معرفة الرأي العام بها، خصوصًا مع إدراكه لتعقيدات الصراع اليمني والتناقض السياسي المبني على أساس عسكري.

عقب إعلان طارق صالح لمنحته العلاجية، تحول الموضوع لتشكرات شعبية عامة لفضيلة الرجل الذي أنقذ الفنان عبدالباسط عبسي، تلاحقت التشكرات وتكاثرت التناقلات عن خلاص الفنان الوطني من العجز والفقر والإحتياج، ولكن الأمر في ذات اللحظة المليئة بالنشوة النفعية والنرجسية أمام العوام، تحول الى تسابق غير أخلاقي للظهور الأكثر شعبية في الجانب الإنساني، خصوصًا وأساس القضية إنسان محسوب لتيار قُدم له قبل قرابة الشهر الفي دولار من شخصية بعينها، من توكل كرمان، أذن هذا لا يعقل أن تصير بطولة الرأي العام في صالح خصم سياسي قديم، يومها وعلى حين غرة إضطربت توكل كرمان، وإنزعجت جدًا، وأخذت هاتفها وأتصلت في عجلة من أمرها بوكيلها السياسي في صنعاء. وبلا مقدمات صرخت في وجه صادق راجح بينما تقول له: الم نعطي عبدالباسط عبسي الفي دولار؟ اليس محسوبًا علينا؟ السنا نحن من نستحق الركوب الإنساني على موجة الرأي العام المطالب بالتكفل بنفقات علاجه؟ اليس هذا صحيحًا؟! لماذا أذًا إستغله طارق صالح ونال بطولة الظهور الإنساني هذه المرة؟! لماذا يا صادق؟! هل أنت مقصر في عملك؟! هل أنت غير جدير بالثقة؟! لماذا لا تتحمل مسئولياتك التي أدفع لك مقابلها؟! لماذا لم تستغل الترند الإنساني وتعلن أننا نساعد الفنان عبسي بالمكرمات المالية؟! لماذا يا صادق لماذا؟!

حالة الصدمة عند صادق راجح جعلته مضطربًا أمام سيدة المال والرواتب، ومعها ظل يأخذ أنفاسه لدقائق لاحقة، ليجيبها عبر الهاتف قائلًا: سامحيني يا توكل، أرجوك سامحيني، سأتلافى الأمر بطريقتي، أجابته كرمان وهي تقول، حسنًا حسنًا، سنرى فيما كنت لا تزال عند مستوى ما نقدمه لك، لهذا عليك أن تعلن عن تقديمنا الفي دولار له، مع تكفلنا بعلاجه أيضًا، علينا أن لا ندع هذه الفرصة للأخرين.. ثم أغلقت المكالمة بطريقة صارمة، ليعقبها دقائق حاسمة من حياة راجح، صراع بين الأخلاق والإلتزام بالإتفاقات والشروط المتفق عليها، أو التخلي عنها والحفاظ على المكانة المحمودة في كشوفات الإحتواء، والواجهة الإنسانية للسيدة المصونة، وبالفعل كتب راجح عبر صفحته في فيسبوك حكاية الألفي دولار المقدمة للفنان عبسي، وأعقب الحكاية عبارات الثناء والتبجيل للسيدة الكريمة والعظيمة، وفي نهايته قال بأن كرمان أعلنت عن منحة علاجية للفنان عبدالباسط عبسي وعليه أن يختارها هي، في حالة من الإنسانية المزيفة والدوافع النرجسبة الشخصية، تخلى صادق راجح عن إتفاقه مع وكيل عبدالباسط بعدم إفشاء مبلغ الألفي دولار، بمبرر ماء الوجه والكرامة المصونة، الفنان المحترم والإنسان الطبيعي يشكل عام يملك كبرياء وكرامة لا يمكنه أبدًر التخلي عنها تحت أي ظرف، وبلا وجه كريم لا يريد الملايين المقدمة لأهداف ترويجية، لكنهم أعلنوا عن مكرمة الألفي دولار، ووضعوا شخص عبدالباسط في إحراج كبير أمام الجمهور العام، قالوا أنهم قدموا له الفي دولار قبل أسبوعين، وتكفلوا بعلاجه أيضًا، بما يعني أنه إستلم المال في فترة وجيزة، فكيف أذًا يعلن عن حاجتة للتضامن والعلاج، كان الإحراج يومها مستحوذًا عليه وعلى أقرباءه وأصدقاءه، ومعه إلتزموا الصمت والسكوت والحفاظ على العلاقات الودية مع الجميع، فلا قدرة لهم على الخوض في جدال مع مكائن المال والإعلام.

مازلت أتذكر التفاصيل المثيرة والغريبة يومها، وكيف أنهم استحوذوا فعلًا على واجهة الرأي العام المتعاطف والشاكر لها، ومازلت أتذكر كيف أن كرمان وقعت في فخ العقلانيين الذين إستغربوا جدًا عن إعلانها لمبلغ مالي تم تقديمه قبل فترة ليست قليلة، في توقيت يعكس أصل غاياتها التنافسية، وكيف أنها لجأت للإعلان في صفحتها عن تقديمها لمبالغ مالية لفنانين أخرين مع التكفل بعلاجهما في مصر، كمحاولة منها لتشتيت علامات الإستغراب المنطقية نتيجة فعلها الغريب، وهي بلا شك واقعة تعكس مدى قدرتها ومنظومتها الإعلامية على تغيير وجهات وعواطف القضايا، لقد نجحوا في تحويل بوصلة التشكرات يومها صوب توكل كرمان، ومعها بدأت الأقلام والكتابات والمقالات والتحليلات والقصائد والكتابات النقدية والأدبية والتصويرات المجازية والإنسانية عن بطولة السيدة والمنقذ والعظيمة في زمن الضياع الكبير، صنعوا منها مخلصة المحتاجين والموهوبين، ومنقذة الأدباء والفنانين، وهي بدورها تشارك وتزيد من الترويج لمكائنها الفريدة والرفيعة في الثناء والتمجيد، لقد نجحت ونجوا جميعًا بشكل شديد الدهاء في التفريق بين المصالح النفعية والمبادئ الإنسانية، وهذا في مجمله مبرر مؤقت من شأنه إهدار المصالح الحقيقية لصالح مصالح وهمية ومزيفة، إنها طريقة تتجاوز الواقعية السياسية التوجيهية للقضايا الوصفية والعاطفية، بدوافع السعي صوب المصالح الشخصية ليس الاّ وكيفما كانت تكاليفها، وتتخلل هذه الطريقة البراغماتية في نموذج توكل كرمان درجات متنوعة بناءً على المعيار المزعوم للمصلحة اليمنية العامة، بأمكانية أخلاقية لتوظيف كل الوسائل العاطفية صوب الغايات المرجوة،

وهنا ما زلت أتذكر حدثًا أكثر أهمية من إنسانية توكل كرمان ومنحة طارق صالح للفنان عبدالباشط عبسي، حدثًا حقيقيًا يعكس مدى الزيف والتأويل في كيفية الترويج لكرمان بطريقة القيام بمهام الدولة المتخلية عن مسئولياتها تجاه الفنانين والأدباء والمبدعين، ففي ثنايا زمن الحملة التضامنية مع الفنان عبدالباسط عبسي، وقبل الإعلان عن مكالمة طارق صالح للإطمئنان على عبدالباسط للتكفل بعلاجه، كان رئيس وزراء هادي أنذاك معين عبدالملك قد تكفل بمنحة علاجية للفنان عبدالباسط عبسي، منحة متكاملة قدموها له بعد التواصل معه عبر أحد أصدقائه وأحد الناشطين الإعلاميين، المنحة تم الإتفاق عليها بدون إعلان، وبلا رأي عام، ودون أي ترويج أو تشكرات، وهو ما بعث الإطمئنان لعبدالباسط عبسي، وعلى أساسها كان قد قرر أن يطلب من الناشطين في مواقع التواصل الإجتماعي التوقف حالًا عن حملة المطالبات بعلاجه، بعد حصوله على منحة علاجية مع كامل تكاليفها، ولكن المراقبون للقضايا الحساسة كانوا قد أقحموا رؤوسهم فيها، وبواسطتها جيّروها وتصارعوا عليها، في الوقت الذي يعكس فيه معين عبدالملك زيف التقولات والتبريرات عن حجم وضخامة ممارسة توكل كرمان المضاهية للدول والحكومات، بما يعني أن كرمان لا تقوم بمهام الحكومات والسلطات بحسب توصيفهم لها، لأنها فقط تركب الموجات وتسخرها لصالحها، ولو كان بطل القضايا في الرأي العام مواطنًا عاديًا ومجهولًا ما عبرته ولو بمئتي ريال، هذا فقط ومعي بهذا شاهد ودليل، سأقوله لكم الأن.

أما الدليل فهو قادم من رجل أعمال، ومؤسسة تجارية يمنية، شركة حنظل أخوان، وكيف أنها تقدم الملايين للمرضى العاجزين، وتتكفل بمنح علاجية لمرضى الفشل الكلوي، وزراعة الكلى، مئات اليمنيين استفادوا من منح علاجية شملت تكاليف زراعة الكلى في مصر، المئات بالفعل ولا زالت المنح مستمرة، أيضًا، ملايين يتم تقدميها لطلاب الجامعات المتخريجن من جامعاتهم بغرض الإحتفال، وملايين أخرى كمساعدات غذائية للألاف من الأسر المحتاجة، وأيضًا، في كل مرة يحتفل فيها مواطن من مديرية السدة بزفافه يتكفل حنظل أخوان بمساعدات مالية، ومشروبات تجارية لزفافه وحضوره، وهكذا يقدم عشرات ومئات الملايين في سبيل التشارك مع مجتمعه وأهل بلده، ومثله مجموعة الكبوس، ومجموعة سعيد أنعم، وأخرين، يفعلون الخير ويقدمون الإنسانية، وبلا مكائن إعلامية حجمها وتكاليفها أكبر بكثير من حجم الفعل المقدم، إنها وبلا شك رؤية واضحة لمن أراد الإقتناع.

وأما الشاهد، ففي ذروة الإنشغال العالمي بو* باء ك*ورونا قبل عامين، بالتزامن مع حالة القلق الشعبي اليمني العام نتيجة إدراكه القطعي بواقع الفراغ والإنهيار المؤسسي لدولته ومنظومته الصحية، مما يعني قلق شامل من أي تفشي لا يمكن السيطرة عليه، في تلك الفترة وأمام حالة الإنتظار الشعبي للمنقذ والبطل العظيم، أعلنت مؤسسة توكل كرمان تكفلها بالمساعدة في دفع رواتب أطباء وموظفي مركز العزل الطبي بمستشفى خليفة في التربة محافظة تعز، بالإضافة الى رواتب أطباء وموظفي المستشفى الجمهوري العام، وعلى أساس هذا الإعلان تفائل المعنيون. وتحمسوا أكثر وبذلوا أقصى جهودهم وطاقاتهم وتشكراتهم لمن سيمنحهم رواتبهم ورزق عيالهم، وبالطبع مع تحويل مكرمة كرمان بدفع الى الرواتب الى رأي عام كاسح، بالتوازي مع التمجيد لشخصها وانسانيتها المتجاوزة لكل الحكومات والدول، ولكن الحلم لم يكتمل، فبعد خمسة أشهر من إنتظار المعنيون لرواتبهم ومستحقاتهم لم يحصلوا على شيء، بعد خمسة أشهر بذلوا فيها جهودهم وتحملوا مسئولياتهم بكامل كفائتها إنصدموا وخابت أحلامهم، كانوا كل يوم يوقعون على قائمة الحضور والإنصراف، قائمة مؤسسة توكل كرمان الإنسانية، مع شعار وصورة بهية في أعلى الورقة عن المرأة التي يعملون وينقذون البشر بفضلها، لكنهم وبعد مرور شهر سادس أدركوا بأن هناك مكيدة، فرفعوا أصواتهم يريدون مستحقاتهم، استغاثوا بالرأي العام الذي بارك لهم رواتبهم، لكنهم لم يصلوا لأحد، ولم يلتفت لهم أحد، ولم تقدم لهم توكل كرمان سوى الزيف والكذب، وهكذا، فحينما أدرك التوكليون عدم جدوى دفع ثلاثمائة الف دولار لموظفين يعملون في وظائفهم، بلا فائدة مرجوة ستحدث لصالحهم بعد تلاشي الصيت والتمجيد، بناءًا على عدم وجود فائدة تشكراتية عاطفية قرروا تجاهل المعنيين وعدم تسليمهم مستحقاتهم.

لا أخفيكم، لقد أرهقت من الكتابة ومازال في داخلي الكثير والكثير، ولكني سأتوقف هنا بخلاصة تقول: مؤسسة ومدرسة وماكينة توكل كرمان هي الوحيدة التي استطاعت بالفعل فصل المصالح السياسية عن المبادئ والمسئوليات، وأعطت للممارسات النفعية والكمية والمادية صبغة أخلاقية مزيفة، لقد نجحت حقًا في فصل الواقع عن المثال، والحقيقة عن القيمة، وفرقوا بين كل ماهو كائن وما ينبغي أن يكون، وأخضعوا الرأي العام الى ماهو كائن في واقع الإدعاء ولو كان زيفًا، بل وأخضعوا المبادئ والقيم والأخلاق الى قانون المصلحة الفردية، ورفضوا بشكل منطقي غريب من أن يكون هناك مصدرًا أخرًا للقيم والمبادئ والغايات والمنافع والإنسانية سوى أفعالهم وإنسانيتهم

ماجد زايد
كاتب يمني وناشط سياسي
الجمعة 3 يونيو 2022

 

*من صفحة الكاتب على الفيس بوك

آخر الاخبار