الفيشي يهدد بـ غزو عسير وجيزان وتنفيذ عمليات في قلب الرياض… فهل انتهى عصر التهديد الحوثي بالبالستي والمسيرات ؟!

هل انتصر الحوثيون؟ الفيشي يجيب

 

 

كتب – محمد عايش

لا يتحدث يوسف الفيشي إلا في اللحظات الحرجة، ولا تلقي به الجماعة من الظل إلى الواجهة إلا على جناح أزمة.

قال إنهم قد يتوجهون لإسقاط نجران وجيزان، أو قد ينفذون عمليات داخل الرياض.

فهل انتهى عصر التهديد بالبالستي والمسيرات؟!

يبدو ذلك، فالتهديد بقصف السعودية والإمارات، وقصفهما بالفعل، بات الآن في حكم الورقة التالفة.. إذ لم يعد القصف يصنع ذعراً بعد أن تعايش معه الطرف الآخر وبات قادرا على استيعابه والتعامل معه، ليس على المستوى المعنوي فحسب بل والمادي أيضاً، فبعد قصف أرامكو في البقيق قبل حوالي عامين ونصف لم نعد نرى أي أثر كبير لأيٍ من مئات عمليات القصف التي نفذتها الجماعة طوال الفترة.

لا بد الآن، والحال كذلك، من التهديد بخيارات أخرى:

غزو عسير وجيزان، وتنفيذ عمليات في قلب الرياض.

لا يهم إن كان هذا التهديد قابلا للتنفيذ أم لا (مع أني سأناقشه)، المهم هو أن الفيشي يطوي صفحة البالستي والدرونز كأنجع سلاح بيد الجماعة في هذه الحرب، سلاح لطالما راهنت عليه بل وسوقته لجمهورها باعتباره إنجازا هائلا نجح في خلق توازن رعب حقيقي بينهم وبين عدوهم.

لقد أصبح الآن سلاحاً يائساً في أفضل توصيف، ومهما حقق من أضرار مادية مباشرة فإن مروده السياسي والعسكري يكاد يكون صفرا.

هيا بنا إذاً نقتحم أسوار نجران وجيزان!

وهو تهديد يستند إلى الوهم العام الذي تسوقه الجماعة لأتباعها ولغيرهم في كونها جماعة لا تُقهر.

علينا مناقشة هذا الوهم بإيجاز:

هناك حقيقة لا يفكر فيها الكثيرون وهي حقيقة أن الحو5ثيين لم يسقطوا مدينةً أو محافظةً يمنيةً واحدة بالقتال المباشر، لقد اجتاحوا معظم المدن والمحافظات التي اجتاحوها بـ”الدعوة” و  “التسليح” من الداخل في مرحلة السلم وعلى ظهر ساحات 2011و مؤتمر الحوار الوطني، ثم دخولا مباشراً بفضل خيارات الرئيس هادي وحساباته الفاسدة.

 دخلت الجماعة عمران ثم صنعاء، دون أن تواجه أية معارك حقيقية عدا معركتين صغيرتين كتحصيل حاصل مع القشيبي ثم علي محسن. وقبلها وبعدها دخلوا كل المحافظات التي دخلوها دون قتال. حجة والمحويت والحديدة وذمار وإب وتعز ولحج وعدن وأبين وشبوة، دخلوها جميعا دون أن يواجهوا طلقةً واحدة.

تبلغ هذه الحقيقة ذروة الوضوح في حالة الضالع ومأرب فهما المدينتان/ المحافظتان الوحيدتان اللتان عجز الحو5ثي، ويعجز حتى الآن عن دخولهما، والسبب ببساطة أنهما جابهتاه عسكرياً فهزم نهائيا أمام الأولى ولا يزال يعاني فشلاً ذريعاً أمام الثانية.

القدرات القتالية للجماعة تنحصر أصلا في أمرين:

في اجتياح المناطق القبلية، وبالاستفادة اساساً من الانقسامات داخل كل قبيلة..أوفي المعارك الدفاعية  ولكن أيضاً في حالة واحدة فقط: حين تتم مهاجمتهم بجيش غير منظم أو يُدار بالفساد. وما عدا ذلك فليسوا أفضل من خصومهم في شيء. والدليل هزائم الجنوب والساحل.

الجماعة محمية بالستر فقط (حد المثل الشعبي) وحين اختبرت على الأرض بمعارك حقيقية انهزمت سريعا في عدن وابين ولحج وشبوة واجزاء من تعز والساحل الغربي واضطرت للجوء، حد الابتذال، للمجتمع الدولي لمنع سقوط الحديدة. (ومؤخراً اختُبرت في شبوة للمرة الثانية وهزمت).

ولقد توقفت العمليات العسكرية البرية ضدها عند هذا الحد ولذلك تبدو أمام أتباعها كمنتصرة، فتحرير الجنوب توقف عند حدود الجنوب، والساحل عند اتفاق استوكهلم، وصنعاء عند فرضة نهم وهي (مع الجوف) الجبهة التي قبل ان يستعيدها الحوثي كان الفساد قد اسقطها قبله وتحولت الى جبهة للولائم والذبائح، والكشوفات الوهمية، وبيع السلاح.

كل موقعةٍ جوبهت الجماعة فيها بعمل عسكري منظم انتهت بهزيمتها، غير ان اتباعها “واخذين فيها مقلب” معتقدين بإيحاء منها ان صمودها امام القصف الجوي آية من آيات موسى بينما الطفل كان بإمكانه أن يتحدث من البداية ان قصفا جويا غير مصحوب بزحف بري لا جدوى منه.

نجران وجيزان يقول، وهو يعاني في حرض التي، رغم كونها تحت سيطرته، لايستطيع لا هو ولا أي بشر آخر قضاء 5 دقائق على بعضها في اي طريق مؤدي اليها بفعل القصف السعودي الفوري والوحشي لكل من وما يتحرك هناك.

لا أقول هنا إن السعودية منيعة أوغير منيعة ولكني أشير إلى حجم اليأس في آخر تهديدات الجماعة، مذيلاً بالمكابرة وبمحاولة تكريس وهم “المنتصر الذي لا يُقهر”.

حسناً فلننفذ عمليات داخل الرياض!

إذا كان قصف اهداف اقتصادية داخل المملكة تحول الى عبء سياسي على الجماعة ووصفت بسببه كجماعة إرهابية، فمابالك بتنفيذ عمليات على الأرض وعن بعد؟!

ليست المشكلة في كون الجماعة ستُعمد رسمياً بالإرهاب، لا أبداً فذلك لا يخيفها، المشكلة ان عمليات من هذا النوع بغض النظر عن قدرة، أوعدم قدرة، الجماعة على تنفيذها، هي خيار أكثر يأساً وبؤساً، و نتائجها دائما كارثية على منفذها نفسه فقط.

ما الذي جنته القاعدة بعملياتها داخل واشنطن ونيويورك؟ على العكس خرجت أمريكا هي المستفيدة.

إن كل العمليات من هذا النوع، سواء وصفها العالم بالإرهابية أو الفدائية أو أي شيء آخر، لا تنجز شيئاً على الأرض، فلم يحدث أن هزت مثل هذه الاعمال دولةً او قوضت بلداً على الإطلاق (الا البلدان التي تأتي منها كأفغانستان).

تعرف الجماعة هذا جيدا، وهي دائما تتباهى بكونها ضد “الغدر” (وهو تباهي لا يطابق الواقع ابدا) فلماذا قررت الخروج عن نص ادعاءاتها والتلويح علناً بعمليات داخل الرياض وبأيادي قد لا تكون حتى يمنية طبقا للفيشي؟!

اليأس.. واليأس العميق جداً، ولعدة أسباب أدناها مثلا  أن الحرب حتى الآن وإن آلت إلى تثبيت يد الحوثيين على ما تحت أيديهم من مناطق؛ فقد ثبتت واقعا اخر اكثر خطورة على الجماعة وأفدح أثرا وهو عزلها أولاً، وثانياً تحصين بقية الجغرافيا اليمنية أمامها وتوحيدها، سياسيا وعسكريا، كما في خطوة تشكيل المجلس الرئاسي، ضدا عليها وفي وجه طموحاتها.

تهديد الفيشي بعمليات في الرياض هي واحدة من أخطر تصريحات الحرب منذ بدايتها وذلك من ناحية كونها تعطي فكرة كاملة ليس عن الموقف العسكري والسياسي فقط بل والنفسي أيضاً لدى أهم وأكبر طرف فاعل في هذه الحرب.

التلويح بخيارات السلام كان سيكون أكثر جدوى خصوصا حين يكون الناس في هدنة.

لو قال الفيشي سنتحاور مع اليمنيين وسنقدم لهم كل التنازلات الصعبة وغير الصعبة، لإنهاء الحرب ووضع حد للجحيم الذي يعيشه البلد؛ لربما كان في ذلك مخيفاً لخصومه أكثر.

لكنهم لا ينتظرون السلام الحقيقي بل ينتظرون أن يدرك التعب الطرف الاخر فينقضوا عليه وعلى ما تبقى من البلاد. وبهذا عدنا الى صلب موضوع المقال: الجماعة تراهن دائما على ضعف خصمها وليس أبداً على قوتها.

انها تنتظر من الخصم دائما أن يهزم نفسه بنفسه، وهذا بالفعل ما حدث في كل ماظفرت به من معارك حتى الآن.

ولكن يبدو أن اللعبة بدأت تتغير، ومن هنا ظهر اخونا الفيشي.